قوت يومنا…حكاية أمل

المدن ليست مجرد أبنية صامتة بل هي ذاكرة ووجدان وشوارع تحكي قصة ألم وأمل، أسواق تملؤها أصوات الحياة، بحة في صوت عجوز…. رقة في صوت طفل…. هدوء ووقار في صوت امرأة امتزجت لتصل إلينا صوت واحد ينادي للحياة كما يمتزج صوت الآذان مع جرس الكنيسة في كل يوم أحد….

هنا ديرالزور المدينة التي عرفت قسوة الحياة كما أنَّها عرفت عراقة التاريخ تعود اليوم عبر إرادة أهلها الذين اختاروا مواجهة الحياة رغم صعوبة الظروف وعادوا إلى أحيائهم ومنازلهم المدمرة متشبثين بفتات أمل ويقين أن القادم أفضل بإذن الله ساعين لكسب رزقهم وقوت يومهم برزقٍ حلال في زمنٍ أصبح فيه الحرام مستباحاً، معتمدين في كسب هذه الأرزاق على أعمالٍ يومية كثيرة (عربات في سوق خضار شعبي - بسطات على أرصفة الطرقات - مَحال بسيطة أعاد أصحابها فتحها بإمكانيات بسيطة ومحدودة) متمسكين بالرضا والأمل ...
عامر شاب في مطلع الثالثة والثلاثين من العمر عاد إلى منزله شبه المدمر في حي المطار القديم، يعمل عامر على عربة في سوق الكوخ وهو سوق شعبي يقع في حي الجبيلة في قلب مدينة ديرالزور، حدثنا عامر عن معانته في جر عربته بشكل يومي إلى منزله خوفاً عليها من السرقة ومن جهة أخرى ليبيع في طريق عودته ما تبقى لديه من خضار وفواكه مالم يتسنى له بيعها أثناء وجوده في السوق وبالرغم من معانته اليومية إلا أنَّ الأمل كان أساس حياته في جملته التي قالها "الرضا أساس الرزق لدينا سقف وجدران تأوينا ولقمة حلال لي ولزوجتي وأولادي و الحمدلله على ما كتب" في زاوية أخرى من السوق يوجد محمود.
محمود هذا شاب يعمل أيضاً على عربة خضار ميزه الله عنا بأنّه ذو سمع قليل ويتلعثم بالكلام فلم يوقفه ذلك عن كسب لقمة عيشه في مكان أكثر ما يحتاج إليه هو الصوت المرتفع والكلام الواضح لينادي به على رزقه بل على العكس تماماً فمعاملته الطيبة وابتسامته الدافئة جعل الناس يتهافتون إليه دون غيره ليبتاعوا منه حوائجهم....
وعلى الطرف الآخر من السوق يوجد أبو أحمد الذي فقد ذراعه بالحرب ولم يمنعه ذلك من الاستمرار في عمله نفسه فعجلة الحياة مستمرة لاتقف لنا حيث نقف،
وتوجد إلى جانبه خديجة أم سعيد التي فقدت زوجها ليصبح قوت يومها وإطعام زهور بيتها الذين مازالوا أطفال صغار مسؤوليتها الأولى، أم سعيد عادت من مخيمات الحسكة إلى مدينتها ومهد ولادتها لتجد بين أزقة هذا السوق مصدر رزق لها يغنيها عن مد يد الحاجة للأخرين، ونساء كثيرات مثل أم سعيد يأتينَّ من الريف حاملات معهن بضائعهن من خضار وفواكه وحليب ومشتقاته متحديات كلّ صعوبات الطريق، يعبرَّن النهر عبر الجسور أو بالسفن ساعياتٍ وراء لقمة العيش لتّدخر كل منهن ما تكسب لأجل مهر ابنها وتكاليف ولادة ابنتها الكبيرة وايضاً لأجل جامعة ابنتها الصغيرة ليثبتن بذلك أن العائلة ما سميت عائلة إلا لوحدة حزنها وفرحها.
والكثير من الرجال والشباب والنساء يقفون في حنايا هذا السوق ينادون على أرزاقهم ويعيشون فيه تفاصيل حياتهم اليومية الصغيرة فهذا السوق لم يجمع الخضار والبضائع فقط بل جمع القلوب قبل الأيادي، جمع أبناء أحياء مختلفة بين الأرياف والمدن وبين عائد فقد مصدر دخله ليأمن هذا السوق فرصة عمل له.
إحياء هذه الأسواق الشعبية لم يكن مجرد نشاط اقتصادي بل كان عودة روح للمدينة فبعودة سوق الهال وسوق الجبيلة والعمال عادت الحياة والحركة إلى المدينة، عادت الألفة والتماسك الأهلي وامتزجت الأفكار بالقلوب فالتعايش ليس خياراً ثانوياً بل شرط للبقاء والأوطان لا تبنى بالشعارات بل بالتعايش والعمل والأمل....
قصة لمدينة تحاول النهوض من بين الركام لتروي لنا حكاية أمل عن شعب لا ينسى بعضه مهما اشتدت الظروف.

إعداد: م. فالنتينا محمد الحميدي

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *